الكلمة الصريحة

بسم الله الرحمن الرحيم

الكلمة الصريحة

 

لستُ منتمياً لا لفئة ولا لحزب ولا أريد جزاء ولا شكوراً ، ولكنها كلمة صريحة تمثل رأياً مغموراً لم يتلطخ بأهواء فئات ولا شهوات أحزاب ، وعليه أقول ابتداءً : ليست البكيرية ملكاً لأحد ولا إقطاعاً يتفضل به أحد على أحد ، ولا هي رهينة لمن قدَّم أو سعى ، وهذه بديهة قائمة إلا مَن شاء أن يكون رسولاً للجاهلية الأولى ، هذا أولاً .

أما ثانياً وهو بيت القصيد : فلم تكن البكيرية كاليوم في تفككها وتشرذمها ، فلسنا اليوم بأكثر من جماعات متشذِّرَةٍ تتحزب مرة بالعلن ومرة بالخفاء ، حتى صرنا جسداً بلا رأس ، ولن يسير جسدٌ بغير رأس أو يتحرك ذراعاً ولو كان بمئة ساق .

وليس غريباً أن يكون هذا الوضع – وبهذا الفراغ القيادي – مغرياً ليتجاسر عليه كل أحد ، فتقطَّعوا أمرهم بينهم زُبُراً كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون ، وليس العيب فيهم على كل حال ، ولكنها إفرازت حتمية لحالٍ بئيس ، ولسوف يزداد بؤساً على بؤس .

وعلى هذا فلن يستقيم أمر البلد أو يتطور شأنها ما لم يصطلح الناس إلى قائد من أهلها يكون رأساً للجميع ، مهما كان سلوكه الإداري ، فهذه سنة الحياة ، فالبشرية قد خُلِقت لتحتاج إلى قائد وقيادة يصطلح عليها الناس مهما صغرت تكتلاتها ، كي يستقيم شأنها وينتظم أمرها ، كما ترى في النحل وسرب الطير وقطعان الحيوان ، فالكون كله بمن فيه وبما فيه مطبوع على هذه التبعية الكونية البنَّاءة ، (( قالتا أتينا طائعين )) ، لتكونَ نَمَطَ حياةٍ في كل شيء في هذا الكون ، وناموساً تقوم عليه هذه الرعاية أو الطاعة الكونية ، ولكنها في الناس رعاية كريمة وسيادة لا تخدش كرامة ، بل تزيد وتفيد ، وتدفع وترفع ، فإذا استنكف الناس هذه الطاعة وغفلوا عن قيمتها الاجتماعية البِنائية فسوف ترخص في أنفسهم قيمة القائد والقيادة ويصبح اختياره مسألةً شكليةً وكأنهم لم يختاروا وكأنه لا قائد ولو قاد ، وفرق كبير بين أن تحل المشكلة أو أن تذيبها كي ينصرف الناس .

ومعلوم أنَّ الناسَ إذا افتقدوا القيادة انفرطوا فبرزت ( الأنا ) كما هو حاصل الآن ، ولن تصير جهودُ طائفةِ الأنا مهما انخدع بهم الناسُ إلا إلى فشل ، سواء أكانوا أفراداً أو فئاتٍ أو لجاناً ، لأنهم لا يبحثون عن حق محضٍ استراتيجي يليق بالمجتمع ويَتنـزَّه عن الهوى ، فكل من أراد أن يزرع ويقطف قبل أن يموت فلنفسه زرع وليس لمصلحة عامة أو هدف بعيد ، وقد يحسب الشخص أنه ليس منهم وهو منهم ، ولو كان الأحرص الأخلص ، فلن تنتظم جهوده إلا مع نفسه لا معَ بقية الدوائر واللجان والهدف البعيد ، ولهذا فالقيادة كخيط القلادة ، وبدونه تصبح الأشياء خرزاتٍ متبعثرات .

فالقيادة روح الحياة ومفتاح الأمل ، ولو كانت بعين واحدة ، وقد تحيا الديار بظلومٍ ولكنها حتماً بلا قائدٍ تتمزق وتذوب ، وكم من بيت وعوائل كانوا يعيشون طوعا وكرها في ظل والدهم الشيخ الكبير فلما مات تقطعت أرحامهم وتفرقت أيامهم ، ولن تكونَ قيادةٌ ما لم يتجرد كلُّ طامعٍ عن هواه أو بعض هواه فيكبح جماحَ أحلامِه والهوى ، ويستشعر قيمة الطاعة في بناء المجتمعِ وليس الصَّلَف والعناد .

وأعلمُ أنَّ كلاماً مثل هذا لن يعجب من يريد أن يأكل بكلتا يديه في هذا الفراغ المتاح ، فيسابق الزمن عَلَّه يكون عينها ، صحيحةً أو عوراء ، فيجمع مَن حولَه ما استطاع ، ولن يستطيع أكثر من أشخاص بعدد أصابعه ، هذا إن لم ينقلبوا عليه ، وأكبر دليل أنَّ مَن كنا بالأمس نعتبرهم رؤوساً همُ اليومَ أنفسهم يختلفون فيما بينهم ، فكيف تجتمع كلمة العامة وهذا حال من يرون أنفسهم رؤوساً ورؤساء .

ومعلوم أنَّ الرئيس أو القائد الحقيقي هو من يصطنع قادةً يبتكرون ويتطورون لا أتباعاً يستكثر بهم ويستقوي ليهيمن ويستبد ، إلا من استفحلت به الأنا حتى صار كقول الشاعر :

إذا مت ظمآناً فلا نزل القَطْرُ

ولن يستنكف مثل هذا الطرح كما ذكرت أو يسخر مما فيه إلا منتفعٌ يسترزق من هذا الفراغ ويَتفهَّقُ في متاهاته ، أو جاهلٌ أوهمته نفسه أنه الوصي على الناس .

 

فليس من حلٍّ كما ذكرتُ إلا بالبحث عن رأس يُسند إليه أمر البلد ويستسلم إليه مَن يريد مصلحة الجميع ، شريطة أن يكون الشخص الذي يتفاعل مع الشأن العام ، وليس شأن الفئة التي تفضلت عليه واصطنعته في الخفاء ، فالمقام مقام تكليف لا تشريف ، فإنَّ كل شخص يُنتخَبُ في الظلام لن يكون مصيره إلا للفشلِ والفشلِ لا محالة ، وأكبر دليل على الفشل الحتمي وسوء الاختيار أنك اخترتَ مَن اخترتَ في غرفٍ مُغَلَّقةِ الأبواب ، ولولا أنك تعلم أنَّ جزءاً كبيراً من الناس لا يوافقك في اختيارك لما قضيتَ أمرَك بليل ، والليل تُبدِّدُه شمس النهار ، فلسوف يتربص به آخرون وتنفتل أمامه عضلات وعضلات ، ولربما عادى الأخ أخاه وقد صار .

فما يمنعنا أن نتعارك قليلاً تحت الشمس ثم نصطلح على رجل صَنَعَه غالبُ البلد وليس حزب أو جماعة ، ولربما صحَّتِ الأبدانُ بالعلل ، ولن يكون اختلافٌ طويلٌ إذا برز العقلاء وآثروا القول على الصمت .

فإنَّ الصمت والتظاهر بالعقل زمن الكلامِ أقربُ للسَّفَهِ من الحكمة ، بل إنه سببٌ رئيس في خلقِ بيئة القيل والقال والتشاحن ونبش الأحقاد ، فليس من الحكمة أن تتنـزه عن أمرٍ يَصلُحُ به الناسُ ثم تدَّعي أنك الحكيم المعتزل .

وبدون هذا المفهومِ ستظل البكيرية لقمةً يلوكها ويلفظها أولئك المتعنترون وإن ادَّعوا أنهم أحرص وأخلص ، فكل مَن يستميت في صناعة البلد على هواه وكما تملي عليه أفكاره فهو شريك في هذا الواقع المتشرذم والحال الكئيب ، وفعله هذا شاهد عليه لا له .

وسِرُّ الضلالةِ في مثل هؤلاء أنهم لا يعلمون أنَّ المجتمع هو السواد الصامت ، فتراهم يختزلون البلد كله في أشخاصهم ، ولهذا جاءت الغرف وأطبق الظلام ، ولو لم تكن تُحرِّكهم الأهواء لأعلنوا أمرهم في رابعة النهار ، فكل أمر يُقضَى بليلٍ لا شك أنَّ فيه حيلةً واستباقاً ، ثم لا يلبث أن تَكشفَ الشمسُ عَوارَه ويَهتِكَ النهارُ ستارَه .

ومن كان ذا معروف أو فضل على البلد فلا ينبغي أن يجعل معروفه القديم رصيداً يبتز به الناس ، أو عربوناً يشتري به الدار ويبيعها ، فيحتكر البلد ويحتقر ساكنيه ، ويجعل من معروفِه ذخيرةً يقذف بها كلَّ مَن قام يطرح ويقترح ، ومن كان كذلك فقد سعى لنفسه ومصلحته ، ولن يكون ذلك إلا من إدراك ضيق لا يتعدى جِلدَ صاحبه .

ولهذا فإن كل من يريد أن تسير الأمور كلها برغبته وتفكيره فهو عدو لمستقبل هذا البلدِ بثياب صديق ، سواء أدرك هذا أم لم يدركه ، وسواء أكان نظيفَ الكف صدوقَ القلب أو ذا طَوِيَّةٍ واحتيال .

 

وخلاصة القول سبعة أمور :

أولها : أنَّ الأحزاب كالطحالب والفطريات لا تنمو ولا تتكاثر إلا في الغفلة والفراغ ، ولن يكونوا مهما ادعوا وسعوا إلا عقباتٍ تحول دون أي مصلحة للبلد ، لأن نشوء أي حزب أو مجموعة هو انشقاق عن الجماعة ولو كان فرداً واحداً .

ثانيها : أنَّ كلَّ جهودٍ تُبذلُ والبلدُ بغير رأس ليست إلا اجتهادات يتيمة وعقيمة ، أو هي صناعة أحزاب لا تلبث أن تتناحر فتذوب ، فلا تنتظر تقدماً أو تطوراً ولو تعنتر المتعنترون ، فبِهِم يزداد الأمر سوءً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وكفاك أن تنظر للصحة مثلاً كيف حالَ حالُها ، أين هؤلاء من هذه ؟ ثم ما الذي جعلك في مدينتك الصحية كأنما تسير في ورشة ؟ ومعلومٌ أنَّ الخطأ إذا استمر وتكرر فهو قرار ، ولو نفاه المسئول عن نفسه ولو اعترف أنه أخطأ وأخطأ ، وهَلُمَّ جرا ، فالبكيرية أمامكم اليوم كيف حالها حتى صارت تتآكل أطرافها .

ثالثها : أنَّ كل من يبخل برأيه من العقلاء الصامتين وقد احتاج الناس إليه فهو شريك فيما وقع ويقع وسيقع .

رابعها : وأهمها وسر الداء ودواؤه وخلاصة ما تقدم : هو أن تَنصَبَّ الجهودُ الحثيثة في البحث عن رجل يتولى شأن البلد كما يريد أهلها ، وأن يكون جهداً تحت الشمس لا في الظلام ، فمن كان صناعةَ ظلامٍ فلن يكون إلا منتمياً ، بخلاف مَن جاء وقد تخاصم الناس في أمره جهاراً نهاراً ، فيصعب أن ينتمي وقد رأى الناسَ كلَّهم ينظرون إليه وينتظرون ، وليس فئةً قليلة يأنس برضاهم .

وقد يجد البعض صعوبة في تحقيق هذا الحل ، والحقيقة أنه متيسر وبسيط إذا استوعبه المتحزبون وألغوا ما في أنفسهم من وصاية وعادوا لجماعة البلد فآثروا مصلحة الناس ومستقبل الدار وعلموا أنهم عما قريب سيرحلون .

أما من زعم أنه أدرى بالمصلحة وأحق بالاختيار فهو داء القضية وسبب الفشل إلا أن يكون مخلداً لن يموت ، لأن بناء المستقبلِ مسيرةٌ طويلة يتعاقب عليها رجال لا ينتظرون ثمارها قبل الموت ، وكما قيل : زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون .

خامسها : يجب تربية النفوس وتهيئتها لطاعة ذلك القائد المرتضى قبل مجيئه ، لا أن تجربه ثم تطيع ، أو أن تتربص به قبل الطاعة وتتصيد أخطاءه وكأنك أكبر منه وأكبر من طاعته ، إنَّ هذا لهو التناقض العجيب ، فكيف تبحث عن قائد أنت قائده ؟ ! وما معنى الرئاسة إذاً وكلٌّ متشبثٌ بقناعته وهواه ؟

سادسهاً : أن يكون الشخص القادم مكلَّفاً لا مشرَّفاً بكرسيه وموقعه .

سابعهاً : إذا أردنا صناعة مجتمعٍ فلا بد أن ينتهيَ أناسٌ عن تصنيف الناس ، فاستبعاد هذا وتقريب هذا والحيلولة دون دخول فلان أو فلانٍ باسم المصلحة ليس من العقل في شيء فضلاً عن أن يكون ديناً ، فلا تزكو أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ، فيجب أن تنتشر ثقافة القبول واتساع الصدور ولو خالفوك الرأي والاتجاه ، فلست أنت وحدك في المدينة ، ولو كلُّ مسئولٍ ورئيسِ لجنةٍ فرض رأيه لصارت البكيرية لأشخاص وليست لمجتمع ، وإنَّ المرء ليتحسر على ما يرى من هُوَّةٍ بين بعض الجهات وشباب البلد ، فمن الذي أوجد التصنيف وزرع النفور في نفوس الشباب ؟ وما قلَّ سفهاءُ قومٍ قطُّ إلا ذلوا ، وكما قيل أيضاً : ذلَّ مَن لا سفيه له .

هذا بعض ما سمحت به الأوراق ، وفي النفس شيء وعلى اللسان كثير ، فعسى الله أن ينفع به ويسدد الخطى والحمد لله أولاً وآخراً .

 

كتبه

إبراهيم بن صالح الخزيم

19 / 7 / 1436

5 تعليقات

  1. اخي ابا رزين / إبراهيم بن صالح الخزيم

    اطلعت على مقالكم في صحيفة الديوانية ( الكلمة الصريحة ) بصراحة هي
    كلمات مضيئة مغلفة بمداد من ذهب تستحيل إلى مقطوعة أدبية سحرها البيان الواضح والدلالة الماتعة تشخص الداء وتقدم الدواء من أجل فاتنة لم تكشف عن ساقيها بل اطلقته للريح على نحو يلملم الشتات من أجل محافظتنا الحالمة والواعدة..البكيرية..كم هي رائعة تلك الكلمات الصادقة كصدق قلب صائغها وكاتبها فتلك تشحذ وتحفز همم الرجال ذات اليمين وذات الشمال ماأجمل المكاشفة والتي تكسوها الشفافية ونكران الذات يبقى الكلام من ذهب مادام يصب في مصلحة المحافظة وأهلها وناسها نحن معك ومع سطورك الرائعة كروعة كاتبها..ويكفي من القلادة ماأحاط بالعنق..دمت بخير ..

    أخوك
    عبدالرحمن منصور التركي

    • كثر الله من أمثالك يا أبو رزين وجعل ماكتبته في ميزان حسناتك

  2. أبوشادن

    أخي الغالي أبارزين،بوركت وبوركت هذه الأنامل وما سطرت،إنه كما ذكرت أوآن التغيير والإلتفات لمحافظتنا ،والتي أرآها من سنين وقد بدت تختفي حتى قرب نجمها الساطع على الأفول… اللهم ولي علينا خيارنا واجعله قائد مصلحا رآعيا لأمانته…

  3. عبدالله

    رائعة يا رائع (إن من البيان لسحرا)

  4. ابو عبدالله

    كلام رائع واختصاراً اقول لازم الي يدير المحافظة يكون رجل قوي ويخاف الله ويكون من اهل البكيرية وليس كما هو حاصل اليوم

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات